محمد محمد أبو موسى
434
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ترابطها من ذكر حرف النسق ، ولذلك كان اعتباره أدخل في البلاغة من غيره ، وفي ترتيب هذا النوع من الجمل وبناء بعضه على بعض ما يبين منه قوة الكلام وجودة بلاغته . يقول في قوله تعالى : « ألم . ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » « 13 » : « والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحا وأن يقال : ان قوله « ألم » جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها و « ذلِكَ الْكِتابُ » جملة ثانية ، و « لا رَيْبَ فِيهِ » جملة ثالثة ، و « هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » رابعة ، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة ، وموجب حسن النظم ، حتى جئ بها متناسقة هكذا من غير نسق ، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض ، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة ، بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به ، ثم أشير بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريرا لجهة التحدي وشدا من أعضاده ، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان شهادة وتسجيلا بكماله ، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين ، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة ، وقيل لبعض العلماء : فيم لذتك ؟ فقال : في حجة تتبختر اتضاحا ، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا ، ثم أخبر عنه بأنه « هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله ، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق ونظمت هذا النظم السوى من نكتة ذات جزالة » « 14 » . والجمل التي تتوارد على سبيل البيان لا حاجة فيها إلى ذكر لفظ يدل على الربط لأنها ما دامت كذلك فهي شئ واحد ، أو هي
--> ( 13 ) البقرة 1 ، 2 ( 14 ) الكشاف ج 1 ص 29